علي الهجويري
301
كشف المحجوب
روضة الأنس ، واستقروا في الروح والسرور ، وحينما وصل عقل قلوبهم إلى المراد ، خضع البصر لتصرفه ، وعجزها لا يوجد ، وتحير ، وحينما تحير نزل ، وحينما نزل صار من حده حينذاك أن يرتدى لباس الخدمة وقال : ما دمت معي ، فأنت محجوب وسائل تعرفك ، وحين فنيت الوسائل عجز ، وحينما عجز وصل . إذن فللقلب القرب وللعقل الخدمة ، والمعرفة هي المعرفة - فاللّه عز وجل جعل العبد عارفا بتعريفة ، وتعرفه جعله عارفا به ، معرفة ليست متصلة بوسيلة ، معرفة يكون وجوده فيها عارية ، فالأنية خيانة لكل وجود العارف حتى يكون ذكره بلا نسيان ، ومجاهداته بلا تقصير ، وتكون معرفته حالا لا مقالا . وبعضهم يقول إن المعرفة هي ثمرة الإلهام وهذا مستحيل أيضا ، لأن المعرفة تمد بقياس يميز الصدق من الكذب ، بينما الإلهام لا يمد بشيء مثل هذا فمن قال إني أعرف بالإلهام أن اللّه في محل ، وآخر قال إني أعرف بالإلهام أنه ليس في محل ، فأحد هذين الحكمين المتضادين يلزم أن يكون صادقا ، ولكن يلزم البرهان لتأييد الحكم الذي يكون فيه الصدق ، فيلجئون إلى الدليل ويبطل الإلهام وهذا الرأي يتمسك به البراهمة « 1 » والإلهاميون . ورأيت في عصرنا هذا كثيرا غالوا في هذا المذهب للنهاية ووصلوا مقامهم بمذاهب أهل الدين ولكنهم في خطأ محض وإثباتهم هذا وهمى جدا ، وبطلانه ظاهر لعقلاء المسلمين والكافرين على السواء ذلك أنه إذا ادعى عشرة أشخاص إلهاما في شيء معين بعشرة أقوال متناقضة فإنهم باطلون في الحكم ، ولا شخص منهم على صواب . فإذا قيل إن ما يخالف الشريعة السمحاء ليس بإلهام ، فأقول : إن هذا البرهان غير صحيح الأساس . لأنه إذا كان يقاس الإلهام بحد الشرع ، فالمعرفة لا ترتكن على الإلهام ، لكن على الشرع والنبوات والعناية الإلهية . والبعض يقول : بأن معرفة اللّه تعالى جبرية ، وهذا أيضا مستحيل لأن كل ما يعرف بهذه الكيفية يلزم أن تكون معرفته بدهية لكل أهل العقل وكما
--> ( 1 ) هم أتباع الديانة البرهمية وهي إحدى ديانات الهند وينكرون الأنبياء والرسل ويقولون بوحدة الوجود .